أبي منصور الماتريدي

178

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - وقوله في ذلك : . . . * إلا قرابة بين الزنج والروم وقول القائل في ذلك : ولم يترك النبل المخالف بينها * أخا لاح قد يرجى وما ثورة الهند يروى برفع ( بينها ) وفتحه على أنها فعل ل ( مخالف ) ، وإنما بني لإضافته إلى ذلك ومثله في ذلك : ( أمام ) و ( دون ) كقوله : فغدت كلا الفرجين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وأمامها برفع ( أمام ) ، كقول القائل في ذلك : ألم تر أني قد حميت حقيقتي * وباشرت حد الموت والموت دونها برفع ( دون ) . الثاني : أن ( بين ) اسم غير ظرف ، وإن معناها الوصل ، أي : لقد تقطع وصلكم . ثم للناس بعد ذلك عبارة تؤذن بأن ( بين ) مصدر ( بان يبين بينا ) بمعنى ( بعد ) ، فيكون من الأضداد ، أي : أنه مشترك اشتراكا لفظيا يستعمل للوصل والفراق ك ( الجون ) للأسود ، والأبيض ، ويعزى هذا لأبي عمرو ، وابن جني ، والمهدوي ، والزهراوي ، وقال أبو عبيد : وكان أبو عمرو يقول : معنى ( تقطع بينكم ) تقطع فصارت هنا اسما بغير أن يكون معها ( ما ) . وقال الزجاج : والرفع أجود ، ومعناه : لقد تقطع وصلكم ، فقد أطلق هؤلاء أن ( بين ) بمعنى الوصل ، والأصل في الإطلاق الحقيقة ، إلا أن ابن عطية طعن فيه ، وزعم أنه لم يسمع من العرب البين بمعنى الوصل ، وإنما انتزع ذلك من هذه الآية الكريمة ، لو أنه أريد بالبين الافتراق ، وذلك عن الأمر البعيد ، والمعنى : لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها ، فعبر عن ذلك بالبين . قال شهاب الدين : فظاهر كلام ابن عطية يؤذن بأنه فهم أنها بمعنى الوصل حقيقة ، ثم رده بكونه لم يسمع من العرب ، وهذا منه غير مرض ؛ لأن أبا عمرو وأبا عبيد وابن جني ، والزهراوي ، والمهدوي ، والزجاج أئمة يقبل قولهم . وقوله : ( وإنما انتزع من هذه الآية ) ممنوع ، بل ذلك مفهوم من لغة العرب ، ولو لم يكن من نقلها إلا أبو عمرو لكفى به ، وعبارته تؤذن بأنه مجاز ، ووجه المجاز كما قال الفارسي أنه لما استعمل ( بين ) مع الشيئين المتلابسين في نحو : ( بيني وبينك رحم وصداقة ) صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمعنى الوصلة ، وعلى خلاف الفرقة ، فلهذا جاء : ( لقد تقطع وصلكم ) وإذا تقدر هذا ، فالقول بكونه مجازا أولى من القول بكونه مشتركا ؛ لأنه متى تعارض الاشتراك والمجاز ، فالمجاز خير منه عند الجمهور . وقال أبو علي أيضا : ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استعمل ظرفا أنه لا يخلو من أن يكون الذي هو مصدر ، فلا يجوز أن يكون هذا القسم ؛ لأن التقدير يصير : لقد تقطع افتراقكم ، وهذا خلاف المقصد والمعنى ، ألا ترى أن المراد وصلكم ، وما كنتم تتآلفون عليه ؟ ! . فإن قيل : كيف جاز أن يكون بمعنى : الوصل ، وأصله : الافتراق ، والتباين . قيل : إنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين في نحو : ( بيني وبينك شركة ) فذكر ما تقدم عنه من وجه المجاز . وأجاز أبو عبيدة والزجاج ، وجماعة : قراءة الرفع ، قال أبو عبيدة : وكذلك يقرؤها بالرفع ؛ لأنا قد وجدنا العرب تجعل ( بين ) اسما من غير ( ما ) ، ويصدق ذلك قوله تعالى : بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما [ الكهف : 61 ] فجعل ( بين ) اسما من غير ( ما ) ، وكذلك قوله - تبارك وتعالى - : هذا فِراقُ بَيْنِي -